المناوي

213

طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )

أتاه بعد ذلك ، فذهب به إلى مسجد به صفوف يصلّون ، وعليهم ثياب بيض ، ونور ساطع فصلّى معهم ، ثم غابوا عنه ، ثم بينما هو نائم سمع مناديا ينادي : يا صيّاد ، تريدنا ؟ قال : نعم . قال : انقطع إلينا في المفازات ، فانقطع فيها ملازما الذكر مدّة طويلة يرى العجائب ، ويحدّث عن الغرائب ، وصلّى يوما فغاب في سجوده فأقام حولا كاملا لا يتحرّك فما أفاق إلّا وقد قلعت إحدى عينيه . وكان يغلب عليه حال الفناء ، فيقيم زمانا مطروحا تسفي عليه الرياح ، وينبت عليه العشب . وذكر عنده أنّ بعض الصالحين يركب الأسد ، فقال : واللّه ، لولا أنّ الناس ما يتحمّلون لربطت لهم سبعين أسدا بالباب ، وإن أحبّوا تركتها تمشي معهم بالشوارع ، لا تضرّ أحدا . وله كلام حسن في الحقائق ، منها قوله وقد سئل : هل العارف أعلى أو المحبّ ؟ فقال : العارف ؛ لأنّ المحبّ مشغول بالمحبّة ، والعارف مشغول بالمحبوب . وقال : العارف متعلّق بالحقيقة ، فإن سقط وقع في الشريعة . وقال : خطر بقلبي أنّ الحقيقة تخالف الشريعة ، فهتف بي هاتف : كلّ حقيقة تخالف الشريعة فهي باطلة . وقال : العارف مع الخلق بأركانه ، ومع الحقّ بجنانه « 1 » . وقال : العارف مفارق لمضجعه وهو نائم ، وناطق وهو صامت ، وحاضر وهو غائب . وقال : العارف كالطفل لا يهتمّ بشيء . وقال : العارف يشهد له الخلق وهو جاحد . وقال : العارف محفوظ الأنفاس ، محروس الحواس ، ملقى بين الناس . وقال : العارف لا يلتفت لشيء من الكرامات ، فإنّها نقص في حقّه ،

--> ( 1 ) في المطبوع : العارف مع الحق بأركانه ، ومع الخلق بجناية . وانظر طبقات الخواص 19 .